قد يفاجأ المستورد عند وصول شحنته إلى المملكة العربية السعودية بأن محتويات الطرود أقل من الكمية المسجلة في الفاتورة أو مستندات الشحن. وهنا يبرز السؤال: من يتحمل مسؤولية النقص؛ المورد أم الناقل أم الجهة المسؤولة عن المستودع؟
تنظم المادة (54) من نظام الجمارك الموحد المسؤولية عند ظهور نقص في محتويات الطرود أثناء المعاينة، بحسب حالتها عند دخول المخازن الجمركية والمستودعات والظروف التي وقع فيها النقص. أما فقد الشحنة كاملة أو نقص عدد الطرود، فقد يستلزم بحث أحكام أخرى بحسب وسيلة النقل والمستندات والوقائع.
مثال عملي: استوردت 100 جهاز ووصل منها 90 فقط
لنفترض أن تاجرًا في جدة استورد شحنة تبين مستنداتها أنها تحتوي على 100 جهاز إلكتروني. وعند فتح الطرود للمعاينة الجمركية، لم يوجد داخلها سوى 90 جهازًا؛ أي ظهر نقص قدره 10 أجهزة. هذا مثال افتراضي للتوضيح، وليس حكمًا على واقعة محددة.
لا يكفي اختلاف العدد وحده لإلزام طرف معين بقيمة الأجهزة الناقصة. يلزم التحقق من مرحلة حدوث النقص، وحالة الطرود، ومحاضر الاستلام والمعاينة، والعلاقة التعاقدية بين الأطراف.
الحالة الأولى: سلامة الطرود ظاهرًا وثبوت وقوع النقص قبل الشحن
إذا دخلت البضاعة المخازن الجمركية والمستودعات ضمن طرود بحالة ظاهرية سليمة، وتأكد حدوث النقص في محتوياتها في بلد المصدر قبل الشحن، تقرر المادة (54) صرف النظر عن ملاحقة هذا النقص. سلامة التغليف وحدها لا تكفي؛ بل يجب أن يتأكد وقوع النقص قبل الشحن وفق الحالة التي حددها النص.
فإذا ثبت أن المورد أرسل 90 جهازًا بدلًا من 100، تُدرس المطالبة بالكمية الناقصة بحسب عقد البيع والمستندات والاتفاقات. وصرف النظر عن الملاحقة الجمركية لا يحسم، بمفرده، حقوق المستورد التعاقدية تجاه الطرف المسؤول.
الحالة الثانية: وصول الطرود بحالة ظاهرية غير سليمة
إذا دخلت الطرود المخازن الجمركية أو المستودعات بحالة ظاهرية غير سليمة، توجب المادة (54) على الجهة المسؤولة عنها إثبات هذه الحالة مع الشركة الناقلة في محضر الاستلام، والتحقق من الوزن والمحتويات والعدد، واتخاذ التدابير اللازمة لحفظها. وقد تتمثل الحالة غير السليمة في فتح الطرود أو تلفها أو ظهور آثار عبث عليها بحسب الواقع.
تقع المسؤولية في هذه الحالة على الناقل، ما لم يوجد تحفظ على بيان الحمولة «المانيفست» مؤشَّر عليه من جمرك بلد المصدر؛ ففي حالة هذا الاستثناء تقرر المادة صرف النظر عن الملاحقة. ولا يكفي مجرد وجود ملاحظة غير مستوفية لوصف التحفظ الوارد في النص لافتراض انطباق الاستثناء.
الحالة الثالثة: الطرود سليمة عند الدخول ثم تصبح موضع شبهة
إذا دخلت البضاعة ضمن طرود بحالة ظاهرية سليمة، ثم أصبحت موضع شبهة بعد دخول المخازن الجمركية والمستودعات، تقرر المادة (54) مسؤولية الجهة المسؤولة عن المستودعات في حال وجود نقص أو تبديل.
ولا يعني اكتشاف النقص داخل المستودع وحده أن سبب النقص وقع فيه حتمًا؛ فتحديد مدى انطباق هذه الحالة يحتاج إلى مراجعة محاضر الاستلام، وحالة الطرود، والمستندات والقرائن المرتبطة بحفظ البضاعة.
هل يجوز فتح الطرود في غياب المستورد؟
الأصل في المادة (54) إجراء المعاينة بحضور مالك البضاعة أو من يمثله، مع مراعاة الحالات التي تجيزها المادة (55). وتجيز المادة (55)، بصيغتها الواردة في النسخة المحدثة المنشورة لدى هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، فتح الطرود لمعاينتها مع غياب المالك أو ممثله إذا امتنع عن الحضور في الوقت المحدد رغم إبلاغه.
وعند الضرورة، تجري المعاينة قبل التبليغ بواسطة لجنة تُشكَّل لهذا الغرض بقرار من المدير العام، مع تحرير محضر بنتيجة المعاينة. لذلك لا يصح اعتبار كل معاينة تتم في غياب المستورد مخالفة للنظام بمجرد غيابه.
ماذا يفعل المستورد عند اكتشاف النقص؟
- طلب الاطلاع على محاضر الاستلام والمعاينة ذات الصلة وفق الإجراءات المتاحة.
- مقارنة الفاتورة التجارية وقائمة التعبئة وبيان الحمولة ومستندات النقل.
- توثيق حالة الطرود والأختام والوزن والكمية الفعلية والملاحظات المسجلة عند الاستلام.
- مراجعة أي تحفظ على بيان الحمولة، والتحقق من التأشير عليه من جمرك بلد المصدر عند الاستناد إلى استثناء المادة (54).
- حفظ المراسلات مع المورد والناقل وجهة التخزين وشركة التأمين، إن وجدت.
- المبادرة إلى مراجعة متطلبات الإخطار والمطالبة ومددها بحسب العلاقة ووسيلة النقل، وتحديد الطرف المسؤول قبل تقديم المطالبة.
هل تحديد المسؤولية جمركيًا يعني استحقاق التعويض تلقائيًا؟
يجب التمييز بين تحديد المسؤولية عن النقص في إطار الإجراءات الجمركية، وبين المطالبة بقيمة البضاعة أو التعويض عنها. فالمطالبة المالية تحتاج إلى دراسة العلاقة التعاقدية والقواعد المنطبقة على البيع أو النقل أو التخزين، والضرر والأدلة، ولا تحسمها المادة (54) وحدها.
يمكن المطالبة بالتعويض متى توافرت أسبابه النظامية أو التعاقدية وثبت الضرر ومسؤولية الطرف المطالب، مع مراعاة الشروط والاستثناءات وحدود المسؤولية والمدد المنطبقة. ولا يُفترض أن الناقل أو المستودع ملزم بالتعويض لمجرد اكتشاف النقص.
لماذا تفيد المراجعة القانونية في قضايا نقص الشحنات؟
قد يتطلب تحديد المسؤولية الجمع بين عقد الاستيراد، ومستندات النقل، ومحاضر المعاينة والاستلام، وبيان الحمولة، ووثيقة التأمين، وأحكام النظام الجمركي. وتساعد المراجعة القانونية على ترتيب الأدلة، وتحديد جهة المطالبة والمسار المناسب، ومراعاة المواعيد ذات الصلة.
وقد يصعّب التأخر في توثيق النقص أو عدم تسجيل التحفظات المناسبة إثبات الوقائع لاحقًا. لذلك، لا تنتظر انتهاء الخلاف بين الأطراف قبل حفظ مستنداتك وطلب المشورة بشأن الخطوة التالية.
الخلاصة
استيراد 100 جهاز ووجود 90 فقط داخل الطرود لا يحدد تلقائيًا من يتحمل قيمة العشرة الناقصة. تختلف المعالجة بحسب حالة الطرود والمرحلة التي وقع فيها النقص والأدلة. وتبقى المطالبة بالتعويض مسألة تحتاج إلى دراسة مستقلة عن مجرد تحديد المسؤولية في الإجراءات الجمركية.
مكتب المحامي عزام العوامي | القضايا والاستشارات الجمركية
يقدم مكتب المحامي عزام صالح العوامي خدمات الاستشارات القانونية المتعلقة بالنزاعات الجمركية، ومراجعة المستندات ومحاضر الضبط والمعاينة، ودراسة المسؤوليات والمطالبات المرتبطة بالشحنات والاستيراد، والتمثيل القانوني أمام الجهات المختصة وفق الأنظمة السعودية.
تنويه: المثال افتراضي لغرض التوعية، ولا يمثل حكمًا على واقعة محددة. هذا المقال معلومات عامة وليس استشارة مخصصة، ويعتمد تحديد المسؤولية النهائية على المستندات والوقائع والأنظمة ذات العلاقة.

